
لم يكتفى صاحب نوبل بالافلام المقتبسة عن رواياته. فشغفه بالسينما -الواضح من خلال تناولها باستمرار فى قصصه بشتى الصور- ادى الى الانتقال الطبيعي لمحفوظ ليشارك في كتابة سيناريو (مغامرات عنتر وعبلة) مع المخرج صلاح أبو سيف 1948. و بين تعلقه بهذا الوسيط الجديد و التزامه تجاه مشروعه الأدبى جاء فيلم (بين السماء والأرض)، كتجربة رائدة في موقع جديد :- كاتب القصة السينمائية.
(بين السماء والأرض) الذى أنتج في عام 1960 يستشف مجتمع ما بعد ثورة 52, من خلال قصة مجموعة من الغرباء يتعطل بهم المصعد فى احد عقارات وسط المدينة، ورغم مواقفهم و اهدافهم المتباينة، فإنهم يضطرون إلى تقاسم نفس المصير. من بين الشخصيات امرأة على وشك الولادة، رجل على وشك الموت ، نشال، هارب من مستشفى المجانين ،ممثلة مشهورة ،أرستقراطي متغطرس و حارس عقار فخور و اخرون. يجمع الفيلم ممثلين غير معروفين مع نجوم مثل هند رستم ومحمود المليجى في نفس الموقع طوال فترة التصوير، عاكسا بطريقة ما التيمة الرئيسية للمشاركة الابداعية التى ميزت صناعة هذا الفيلم. كونه التعاون الثاني بين أبو سيف ومحفوظ فقد ساعد على افساح المجال لاستقطاب المزيد من العناصر المميزة لعوالم نجيب محفوظ الادبية: كالمصعد الذى يتجاوز كونه مجرد مكان يستضيف احداث القصة، أو الربط ما بين السياسي و الاجتماعي, أو المعالجة المكثفة لفكرة المصير.
(بين السماء والأرض) يحتوي على مزيج فريد من السرد الملتزم بالإيقاع السينمائي ،و الوعى الادبى بتفاصيل الشخصيات و المكان. فتجربة الجمع بين واقعية صلاح أبو سيف، المستوحاة من تفاعله المباشر مع الواقعية الجديدة فى ايطاليا فى اوجها، و بين أسلوب محفوظ الطبيعي جعلت الفيلم احد علامات السينما المصرية التى اجتازت اختبار الزمن.
محمد بشير